ابن قتيبة الدينوري
89
الشعر والشعراء
99 * والمتكلَّف من الشعر وإن كان جيّدا محكما فليس به خفاء على ذوى العلم ، لتبيّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكَّر ، وشدّة العناء ، ورشح الجبين ، وكثرة الضرورات ، وحذف ما بالمعاني حاجة إليه ، وزيادة ما بالمعاني غنى عنه . كقول الفرزدق في عمر بن هبيرة لبعض الخلفاء ( 1 ) : أولَّيت العراق ورافديه * فزاريّا أحذّ يد القميص يريد : أولَّيتها خفيف اليد ، يعنى في الخيانة ، فاضطرّته القافية إلى ذكر القميص ( 2 ) ، ( ورافداه : دجّلة والفرات ) . 100 * وكقول الآخر : من اللَّواتى والتي والَّلاتى * زعمن أنى كبرت لداتى 101 * وكقول الفرزدق ( 3 ) : وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلَّا مسحتا أو مجلَّف ( 4 ) فرفع آخر البيت ضرورة ، وأتعب أهل الإعراب في طلب العلَّة ( 5 ) ، فقالوا وأكثروا ، ولم يأتوا فيه بشئ يرضى ( 6 ) . ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أنّ
--> ( 1 ) من أبيات في ديوانه 487 - 488 والأغانى 19 : 17 يخاطب بها يزيد بن عبد الملك والبيت في اللسان 4 : 164 و 5 : 15 . واللآلي 862 مع آخر . ( 2 ) هذا التفسير يوافق تفسير الجوهري قال في اللسان : « وقد قيل في الأحذ غير ما ذكره الجوهري ، وهو أن الأحذ المقطوع ، يريد أنه قصير اليد عن نيل المعالي ، فجعله كالأحذ الذي لا شعر لذنبه - يعنى البعير الأحذ - ولا يحب لمن هذه صفته أن يولى العراق » . ( 3 ) من قصيدة طويلة في ديوانه 551 - 569 ، النقائض 548 - 576 وجمهرة أشعار العرب 163 - 168 . والبيت في اللسان 2 : 346 و 10 : 375 . وسيأتي 99 ل . ( 4 ) هكذا رواية اللسان والجمهرة « مجلف » باللام ، وقال في اللسان : « المسحت : المهلك ، والمجلف : الذي بقيت منه بقية » ورواية الديوان والنقائض « أو مجرف » بالراء ، ومعناهما متقارب . ( 5 ) س ب ه « في طلب الحيلة » . ( 6 ) س ب ه « يرتضى » .